الإثنين 15 جمادى الأولى 1448هـ الموافق 26 أكتوبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً عدا الجمعة ٤ – ٧ مساءً

المناعة النفسية: ما هي وكيف تقويها؟

فيديو 18:45270 مشاهدةمحتوى مكتوب كامل
باختصارالمناعة النفسية تحمي من القلق والتوتر والضغوط، وتقوى بالإيمان والرضا والتفاؤل وشكر النعم والذكر والدعاء والتأمل اليومي والابتعاد عن الأخبار السيئة.
الفيديو يعمل في المشغّل الصغير —
المناعة النفسية وأهميتها للسلام النفسي والجسدي | الطب الآمن 18:45

في هذه الحلقة من برنامج «الطب الآمن» يتناول الدكتور أمير صالح موضوعاً جديداً هو المناعة النفسية، وهي كلمة جديدة على كثير من الناس؛ فكلمة المناعة يظنها الناس كرات الدم البيضاء التي تحمي الجسم من الميكروبات والفيروسات والطفيليات والفطريات، أي من أي شيء غريب يدخل الجسم.

ما هي المناعة النفسية؟

يوضح الدكتور أمير صالح أن هناك مناعة أخرى ربما يكون لها الدور الكبير والعبء الأكبر في الحفاظ على الجسم، وهي المناعة النفسية. ومعناها أن تكون عند الإنسان تحصينات في عقله ونفسه، ولا يقول «في روحه» لأن الروح من أمر الله عز وجل.

فكما يتعرض الجسم لهجوم بكتيري، تتعرض النفس لهجوم من الضغوط النفسية، فيحتاج الإنسان إلى مناعة تحميه من الضغوط والقلق والتوتر. ويضرب مثلاً بطلاب الثانوية العامة؛ فالفتاة تكون نفسيتها جيدة في إجازة الصف الثالث الثانوي، ثم يبدأ عندها القلق والتوتر في أثناء الدراسة.

فلا تستطيع النوم، وتظل تقضم أظافرها، وتشد شعرها، وأحياناً تقطع شعرها بالطول، وكل ذلك يعبّر عن القلق والتوتر والخوف، ويرى الدكتور أن هؤلاء الفتيات ليست عندهن مناعة نفسية.

الصبر عند الصدمة الأولى

المناعة النفسية أن يكون الإنسان محصناً، فإذا حدثت له مشكلة أو أزمة أو فقد عزيز أو مرض مفاجئ لأحد أفراد الأسرة استطاع أن يتحمل. ولذلك لما قابل النبي صلى الله عليه وسلم المرأة التي تبكي ولدها الذي مات، ثم جاءت تقول إنها ستصبر، قال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى».

ومعنى ذلك أن المناعة تظهر عند الصدمة الأولى؛ فأول ما يسمع الإنسان الخبر السيئ يحمد الله ويسترجع، ومن يحمد ويسترجع عنده مناعة نفسية عالية. ويوضح الدكتور أن المناعة النفسية ليست مجرد تلقي الصدمات وتحويلها إلى مواقف إيجابية، بل أن يعيش الإنسان في كل وقت في حالة من الرضا وقبول كل المتغيرات.

الحياة لا تبقى على حال واحد

ولكي ينبهنا الله إلى أن الحياة لا تبقى على حال واحد جعل المناخ متغيراً، فيه صيف وشتاء وربيع وخريف، ليعرّفنا أنه لا استمرارية ولا دوام إلا لله عز وجل، وأن حياتنا فيها صعود وهبوط، وقوة وضعف، وغنى وفقر، وسعادة وقلة سعادة، ولا يقول الدكتور «تعاسة» أو «حزن» لأن المؤمن لا يحزن هذا الحزن.

الإيمان أول ما يقوي المناعة النفسية

ويذكر الدكتور أن أبحاثاً كثيرة أُجريت لمعرفة ما يحسن المناعة النفسية، فوجدوا أن أصحاب المناعة النفسية العالية عندهم درجة عالية من الإيمان، وليس الإيمان الظاهري فقط بالصلاة والصيام والزكاة والمظهر، بل سلام نفسي داخلي مع أقدار الله.

فإذا شعر أن شيئاً ما يحدث قال: ربما قصّرت قليلاً في الدعاء، وأريد أن أجتهد فيه، لأنه «لا يرد القضاء إلا الدعاء». وقد يقول بعض الناس: هل هذه الحلقة خطبة أو درس؟ نريد أن نتكلم عن جسم الإنسان. فيجيب الدكتور بأن هذا هو جسم الإنسان.

الإنسان وحدة واحدة: عقل ونفس وبدن

فلا نستطيع أن نفصل الإنسان إلى جسد ونفس، بل هو وحدة واحدة متكاملة: عقل ونفس وبدن. فلو كان البدن قوياً جداً والعقل ضعيفاً أو مضطرباً فلا يقال إن الإنسان سليم، بل كثير من هؤلاء يذهبون إلى مصحات الأمراض النفسية أو العقلية.

ولو كانت النفس مضطربة فسيعيش الإنسان في اكتئاب وحزن وقلق وتوتر ويرتعش عندما يسمع خبراً، فهل يكون صحيحاً؟ بل يعيش في تعاسة، تلح عليه الأفكار والهواجس والوساوس، فهو هنا يحتاج إلى مناعة نفسية. ويشير الدكتور إلى أن المراجع التي أُخذت منها هذه الأبحاث موجودة في نهاية الحلقة.

وأول ما ذكرته الأبحاث المناعة الإيمانية، أي أن تؤمن بأن هناك رباً خالقاً مهيمناً متصرفاً في أمورنا، متحكماً في أحوالنا، قادراً على كل شيء، يغيّر ولا يتغير. ولذلك إذا أردت أن يتغير شيء فالجأ أولاً إلى الله عز وجل وقل: يا رب غيّر ما أنا فيه، وحوّل المرض الذي بي إلى صحة.

التفكير في الصحة لا في المرض

والأمر الثاني التفكير في الصحة لا في المرض؛ فالفرق بين صاحب المناعة النفسية القوية والضعيفة أن صاحب المناعة الضعيفة عند المرض يظل يفكر في المرض ومضاعفاته وأدويته وكم سيستمر وماذا قد يحدث له، فينظر إلى الجانب السلبي.

أما صاحب المناعة العالية فأول ما يرى المرض يقول: إن شاء الله الشفاء، وينظر إلى الجانب الإيجابي: هذا ابتلاء فيه خير ورحمة، وإن شاء الله يشفيني ربي، وسأفعل ما عليّ؛ سآكل جيداً، وأنام جيداً، وآخذ الدواء في مواعيده، وأنشط.

فهو يأخذ الجانب الصحي لا الجانب المرضي، ورؤيته للمرض إيجابية لا سلبية؛ لأن ما تفكر فيه يسيطر عليك. وإذا فكرت في الرضا رضّاك الله، فالرضا لمن يرضى، ومن يرضى يكتب الله له الرضا.

ومن يعيش مطمئناً يقول: إن شاء الله يشفيني ربي وأنا في نعمة، فكم من محن مرت على الأنبياء والعلماء والمشايخ وشفاهم الله، لأن بيده مقاليد السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير. فالإيمان والرضا هما أول شيء.

التفاؤل

والأمر الثالث التفاؤل: «تفاءلوا بالخير تجدوه»؛ فالمناعة النفسية مناعة تفاؤل، أن تقول: إن شاء الله اليوم أفضل من أمس، وغداً أفضل من اليوم. فالإنسان يعيش على أمل، والحياة بالأمل هي الحياة التي فيها خير.

فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو في ظل حصار شديد ومعاناة كبيرة في المدينة كان يقول لأصحابه: فُتحت فارس، فُتحت الروم، ويحدثهم عن فتح القسطنطينية، فهو يحدثهم عن التفاؤل وأن الغد فيه خير.

وبهذه المناسبة يهنئ الدكتور الإخوة في غزة وفلسطين بتوقف الحرب، ويسأل الله أن يمن علينا وعليهم بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، ويحمد الله. ويذكر أنهم في هذه المحنة كان عندهم تفاؤل بالنصر والعزة،

وأن من لقي ربه منهم لقيه ثابتاً محتسباً، ويسأل الله لهم جميعاً الفردوس الأعلى، ويقول: اللهم لك الحمد والشكر، ويدعو الجميع لشكر الله على هذا الأمر.

شكر النعمة بالقول والفعل

ومن المناعة النفسية، كما فعلنا الآن، ألا ننسى الشكر على النعمة. والشكر ليس باللسان فقط، بل بالفعل؛ فإذا أعطاك الله مالاً فأخرج منه، وإذا أعطاك صحة فاستخدمها في الخير، وإذا أعطاك علماً فاشرحه للناس وألقِ المحاضرات.

ويوجه الدكتور كلامه إلى زملائه الأصغر منه، ولا يريد أن يسميهم تلاميذه حتى لا يكبر نفسه، فيقول لهم: اجعلوا العلم مباحاً وانشروه؛ لأنه عندما ينشر العلم يرد الله عليه بالخير والنفع، ويجده يوم القيامة علماً يُنتفع به.

ولذلك عندما يسافر ويطلب منه بعض الإخوة في أي دولة أن يلقي عندهم محاضرة أو يعلمهم شيئاً لا يتأخر ويذهب إليهم، لأن هذا حق لهؤلاء الإخوة عليه. فلا بد من الدعاء والشكر، شكر النعمة.

كثرة الذكر وسنن الله في الكون

ومن المناعة النفسية كثرة الذكر؛ فهي تحتاج إلى إنسان مرتبط بالله عز وجل، يذكر الله طوال الوقت. ويذكر الدكتور أن بعض إخوتنا من الأقباط في مصر، ومنهم تلاميذه وأحبابه، يقولون له: نسيتنا في النصائح.

فيرد بأن النصائح عامة للجميع؛ فلو شكرت الله على نعمة زادك الله، أياً كانت ديانتك أو ملتك، لأن الله جعل سنناً كونية: إذا فعلت خيراً وجدته، وإذا أنفقت في سبيل الله ردّه الله عليك ولن تُظلم.

وجعل الله ذلك منهجاً للحياة: إن آذيت ابتلاك الله، وإن ظلمت عاقبك الله، فالمسألة كما تدين تدان. ولذلك يطلب الدكتور أن يؤخذ كلامه بسعة لا بضيق، فالمقصود هو الإحسان.

التواصل مع الله بالدعاء

ويقول الدكتور لإخوانه المبتلين بالأمراض: اجعل مناعتك النفسية عالية بأن تكون متصلاً بالشافي. وتخيل، ولله المثل الأعلى، أن الطبيب الذي يعالجك أعطاك رقمه الخاص وقال لك: كلمني في أي وقت على مدار أربع وعشرين ساعة في أي شيء تشعر به.

فإذا كان الله قد أعطاك خطاً مفتوحاً لا تدفع فيه شيئاً، فارفع يدك وقد فُتح الخط، وناجِ ربك بقلبك إن لم يستطع لسانك الكلام، واجعل الاتصال قائماً بينك وبين المنعم والمعطي والرزاق.

فلله أسماء العطاء: الكريم، المعطي، الرزاق، المنعم، فهو سيمنحك وينعم عليك. فالتواصل مع الله عز وجل طوال الوقت بالدعاء: ارفع يدك وقل يا رب يا رب، فقد ذكر القرآن دعاء «ربنا ربنا» ثم قال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾.

الصلاة في مواعيدها وصيام النوافل

والصلاة في مواعيدها مهمة جداً، فهي تقوي المناعة الذاتية والنفسية. وكذلك صيام النوافل، فهو ليس للجسد فقط، ويذكر الدكتور أنه ألّف كتيباً بعنوان «صحتك في صيامك».

ويقول إن من يريد الكتاب، ويذكر كذلك كتاب «صحتك في صلاتك»، فهو موجود، وحتى من لا يريد أن يدفع ثمنه يكفي أن يعده بأن يتصدق بثمنه ويأخذه دون أن يدفع شيئاً. ويسأله بعض الناس: هل تعالج التدخين فعلاً بالإبر الصينية دون مقابل؟ فيقول: نعم.

ويوضح أن ذلك ليس «مجاناً»، فلا شيء مجاني، بل هو لله عز وجل، وعندما نقدّم لله يكافئنا الله. ويسأل الله أن يجنبنا العُجب بالنفس والرياء في العمل، وأن يحفظنا جميعاً.

التأمل اليومي في نعم الله

ومن المناعة النفسية التأمل اليومي، ومعناه أن تتفكر في خلق السماوات والأرض. ويذكر الدكتور أن بعض المتخصصين في التنمية البشرية يقدمون برامج جيدة، ولا مانع من الاستفادة منها، فنحن نستفيد من كل العلوم.

وأحدهم عمل برنامجاً جميلاً جداً عن التأمل اليومي: أن تتأمل في نعم الله عليك منذ أن تستيقظ من النوم، وأن تذكرها بلسانك حتى تسمع أذنك النعم، فتقول: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا»، وهذا من كلام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وتذكر بلسانك: الحمد لله أنني أستطيع أن أرفع يدي وأتوضأ، الحمد لله أنني أمشي إلى الحمام، الحمد لله أن الإخراج لا يحتاج إلى حقنة شرجية ولا قسطرة؛ فهذه نعم لا ننتبه إليها.

الحمد لله أنني أستطيع تغيير ملابسي بنفسي، وأستحم دون أن يساعدني أحد، وأستطيع أن آكل وأسناني تقطع الطعام، وغيري أجرى عمليات في أسنانه وفكه. فمن يظل يذكر الله ويشكره على النعم تتكون عنده مناعة نفسية قوية جداً.

وفي المقابل هناك من يظل طوال اليوم يشتكي: عندي مشكلة في كذا وكذا، ولا ينظر إلى الجانب الإيجابي في حياته وهي مليئة بالإيجابيات، فلا يذكر الجزء الجميل وكأن النعم مضمونة له دون تعب ولا جهد.

بل نذكر نعم الله علينا، لا النعم الجسدية فقط بل النعم في كل شيء؛ فأن تمسك القلم وتكتب نعمة، فالله ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، وحين ترى من لا يعرف الكتابة تعرف أن الله ميّزك وفضّلك ومنحك.

التأمل في ابتلاءات الآخرين

وذكر النعم يحسن الجانب النفسي جداً. والتأمل اليومي ليس في نعمك فقط، بل تأمل في خلق الله؛ فإذا رأيت مبتلى، والابتلاء ليس فقط من لا يرى أو لا يتكلم، بل هناك ابتلاءات أخرى، كمن ابتُلي بالإدمان أو بالمعصية والعياذ بالله،

فاحمد الله وقل: «الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به غيري وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً».

الابتعاد عن الأخبار السيئة قبل النوم والصاحب المتشائم

وينصح الدكتور بالابتعاد عن الأخبار السيئة، خصوصاً قبل النوم؛ فنحن نهتم بأمر المؤمنين والمسلمين، لكن ليس قبل النوم مباشرة، بل اجعل وقتك قبل النوم مع القرآن، أو استمع إلى بعض الأحاديث أو شيء مطمئن، كمحاضرة عن الجنة ونعيمها، ثم نَم.

وكذلك الابتعاد عن الصاحب المتشائم؛ فكثير منا عنده أصحاب إذا جلس معهم أظلموا عليه الدنيا، فكن مع الصاحب المتفائل الذي يحدثك عن الخير والاطمئنان. فمناعتك النفسية أساس وركن ركين في حياتك.

فاحرص عليها كما تهتم بطعامك ونومك ورياضتك، حتى يمن الله عليك بالصحة والعافية.

ختام الحلقة

وفي ختام الحلقة يدعو الدكتور الله أن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا ويزيدنا علماً، وأن يعيد الأمن والإيمان والسلامة والإسلام على إخواننا في غزة من جديد، ثم يستودع المشاهدين الله الذي لا تضيع ودائعه.

اقرأ أيضاً

هذا المحتوى مكتوب من كلام الدكتور أمير صالح في الفيديو كاملاً دون حذف. اضغط على أي توقيت لسماع الجزء نفسه من الفيديو.

فيديوهات أخرى