الإثنين 15 جمادى الأولى 1448هـ الموافق 26 أكتوبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً عدا الجمعة ٤ – ٧ مساءً

التقوى طريق العلم: بحث ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ للدكتور أمير صالح

نُشر: 2007-06-159,288 قراءة

بحث مقدَّم من الأستاذ الدكتور أمير صالح، رئيس الجمعية الأمريكية للعلوم التقليدية، واستشاري العلاج الطبيعي والطب البديل.

مقدمة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً رسول الله.

وبعد،

يقول المولى سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 282)، أي أن شرط العلم من الله هو التقوى، وأن العلم منحة ومنّة من الله يختص بها من عباده من يشاء. فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من اتقى، يقول المولى سبحانه وتعالى له: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النساء: 113). واختص سبحانه وتعالى من عباده من تفضّل عليه بعلوم الدنيا والدين، الذين جعلوا خدمة الناس ونفعهم هدفاً بعد رضا الله عز وجل، واستمدوا ذلك باتباع ما ورد في كتاب الله وفي سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

ففي عهد النهضة الإسلامية، وأخص بذلك فترة الخلافة الإسلامية في الأندلس، قدّم المسلمون الكثير من العلوم النافعة للغرب، وسوف أستعرض في بحثي هذا أهم مراحل النهضة العلمية في الأندلس، وأخص بها النهضة الطبية.

التقوى

خلق الله الخلق بين الذكر والأنثى أنساباً وأصهاراً وقبائل وشعوباً، وخلق لهم منها التعارف، وجعل بها التواصل للحكمة التي قدّرها وهو أعلم بها، فصار كل أحد يحوز نسبه، فإذا نفاه رجل عنه استوجب الحد بقذفه، مثل أن ينفيه عن رهطه وحسبه. كما أن جميع العقلاء يتفقون على أن العلم هو طريق التقدم في عصرنا، وإذا لم نأخذ بأسباب العلم فإننا لن نجد لنا مكاناً بين الأمم، ونتوارى عن حركة التاريخ لفترة حتى نعود إلى أمجادنا السابقة.

وفي قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13)

(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) آدم وحواء، (وجعلناكم شعوباً) جمع شَعب بفتح الشين، وهو أعلى طبقات النسب، (وقبائل) هي دون الشعوب، (لتعارفوا) حُذف منه إحدى التاءين، ليعرف بعضكم بعضاً، لا لتتفاخروا بعلو النسب، وإنما الفخر بالتقوى، (إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم) بكم (خبير) ببواطنكم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى أحسابكم ولا إلى أنسابكم ولا إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، فمن كان له قلب صالح تحنّن الله عليه، وإنما أنتم بنو آدم، وأحبكم إليه أتقاكم».

وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى الله». تفرّد به أحمد رحمه الله.

والتقوى كما عرّفها علماء الأمة هي «الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل»؛ فأي عالم يجعل الخوف من الله أساس علمه فلا يجرؤ على القيام بعمل فيه ضرر للبشرية، وأي عالم ينتهج منهج الكتاب والسنة فلن يخالف شرائع الدين وأحكامه، وأي عالم يستعد بعمله في كل لحظة للرحيل من هذه الدنيا الفانية إلى الحياة الدائمة الباقية سيعمل دائماً على غرس الخير في الأرض والحرص على نفع البشرية قاطبة. فسار علماء الأمة على هذا المنهج الرباني في تقوى الله في تحصيل العلم ونفع البشرية.

والمولى عز وجل جعل التقوى أساس المعية، أي من أراد أن يكون مع الله فعليه أن يلزم التقوى:

﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (النحل: 128)

وفي موضع آخر من كتاب الله يأمر المولى سبحانه وتعالى عباده بالتقوى، ويعلّمهم أنه مع المتقين:

﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 194)

أمرٌ لهم بطاعة الله وتقواه، وإخبار بأنه تعالى مع الذين اتقوا بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة. و«اعلموا» تعني هنا: تيقّنوا أن الله سبحانه وتعالى معنا في كل وقت، أي لا بد أن نعلم علم اليقين أن الله معنا، ونستشعر المراقبة الدائمة، فلا منجى ولا ملجأ منه إلا إليه.

والتقوى ربطها رب العالمين باللجوء إليه تعالى، أي كل النجاة منه سبحانه وتعالى، وأيضاً ربطها بالصدق في قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: 119)

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) بترك معاصيه، (وكونوا مع الصادقين) في الإيمان والعهود، بأن تلزموا الصدق؛ اصدقوا والزموا الصدق تكونوا من أهله، وتنجوا من المهالك، ويجعل لكم فرجاً من أموركم ومخرجاً.

ومن فيض كرم المولى علينا أن جعل من التقوى لنا لباساً، لتكون للمؤمنين غطاءً ووقاية في هذه الحياة:

﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 26)

وجعل من التقوى الزاد والغذاء بعدما اكتسى بها الإنسان وتحلّى بها مع الإيمان:

﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ (البقرة: 197)

وجعل المولى سبحانه وتعالى من التقوى أساساً لبنيان المسلم حيث يرتكز عليه:

﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (التوبة: 109)

التقوى والعلم

التقوى والعلم كالشجرة وثمرتها؛ فثمرة شجرة التقوى المباركة حصول العلم، والتوفيق في التحصيل والطلب، ويا لها من ثمرة مباركة جنيّة يمنّ بها الكريم الوهاب سبحانه وتعالى على المتقين. ولا عجب، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13)، فكلما زادت التقوى يكون الكرم الرباني؛ فيا أيها الطامحون إلى العلم، اتقوا الله واستزيدوا من تقواه عز وجل.

ولنتذكر دائماً هذه الحقيقة الكبيرة: من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم. ويؤكد هذا حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم عندما طلب منه شخص أن يوصيه، فكان جواب الحبيب له: «أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ رَأْسُ الأَمْرِ كُلِّهِ». فعبادة الله التي نريد هي عبادته على علم وهدى، وهذا يتأتى بتقوى الله تعالى، حيث يقول: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 282). ويقول سبحانه وتعالى موضحاً طريق الدعوة إليه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125).

وفي ختام هذه المقدمة أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بهذا البحث كل من قرأه، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اقرأ أيضاً

من نفس القسم