الأحد 14 جمادى الأولى 1448هـ الموافق 25 أكتوبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً عدا الجمعة ٤ – ٧ مساءً

فلينظر الإنسان إلى طعامه

نُشر: 2007-03-0214,068 قراءة

br>

فلينظر الإنسان إلى طعامه

بقلم أ.د/ أمير صالح (استشاري الطب الإسلامي)

في وقتنا الحالي نشاهد إمكانية نهاية الحضارة الحديثة، نتيجة للهدم المستمر للحياة الطبيعية.

و لكن ذلك لا يعني عدم إمكانية تدارك الموقف، فبمجرد التفكير ملياً مع النفس و أخذ خطوات إيجابية لتغيير أنفسنا، فإن هذا الوضع المأساوي يتحول على عكس ما هو عليه تماماً، و لذا فإن أفضل طريقة لتجنب هذه المأساة ليس فقط تكتيكاً خاصاً يضبط المسألة الغذائية و لكن تغيير يشمل نمط التفكير ذاته، وعندها ندرك أن الحصول على الصحة و السعادة و التخلص من الأمراض يكمن في التحرر من أخطائنا و تنمية قدراتنا على التمييز الصحيح للأشياء، و من ثم تغييرها، لذلك نجد أن الحمية الغذائية تعد ركناً ركيناً من أركان الشفاء، فالدواء وحده لا يؤدي ما عليه من دور في المساهمة في شفاء المريض، إلا إذا اتحد و تعاون مع الحمية الغذائية و الأنظمة الحياتية التي تحقق الشفاء بإذن الله، و هناك أطعمة كثيرة تعارض تأثير الدواء بل و تؤدي في كثير من الأحيان إلى نتائج سلبية، و أكبر شاهد على ذلك الدهون المشبعة و أثرها السلبي على مرضى تصلب الشرايين و قصور الشريان التاجي، لذلك نجد عناية المولى عز و جل بالطعام كماً و كيفاً، فأما عن الكم: فيقول عز و جل ﴿ " وكلوا و اشربوا و لا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين " ﴾ فارتبطت محبة الله بالاعتدال في كمية الطعام مهما كان نوعه، و أذكر مقولة أحد العلماء المختصين في مجال التغذية حيث قال: أهم أسباب زيادة الوزن و السمنة هو زيادة كمية الطعام بغض النظر عن نوعيته، و ضرب مثلاً لذلك أن الأبقار التي تتغذى على الكلأ و العشب بكميات كبيرة تزداد في الوزن، بالرغم من فقر هذه الأعشاب للدهون المشبعة و السكريات و النشويات، وقد جرت العادة الشعبية القديمة في كثير من البلدان العربية في إطعام بعض الطيور ببعض الحبوب إطعاماً فوق حاجة و قدرة الطائر، و كان يؤدي هذا الأسلوب في التغذية إلى زيادة كبيرة في حجم الطائر و ترسيب الدهون في أماكن عديدة في جسمه، و هذا الأسلوب الغذائي نهى عنه كثير من علماء الشرع، لما فيه إجبار لهذا الطائر على التغذية فوق طاقته، فما أحوجنا أن نعود إلى شرع الله في الوسطية و الاعتدال من حيث الكم في الطعام الذي نتناوله فوق حاجتنا.

أما عن نوعية الطعام فقد أوصى المولى سبحانه و تعالى في كثير من آيات القرآن الكريم بالعناية بجودة الطعام ﴿ " فلينظر الإنسان إلى طعامه " ﴾ توجيه بالنظر إلى الطعام من حيث منشأه و قدرة الله عز و جل في إنباته و من حيث تصنيعه و إعداده نظرة شاملة لكل أوجه الطعام، ووضع القرآن الكريم أحكاماً شرعية عامة نستخلص منها الكثير من القوانين الغذائية الهامة لحياة الإنسان، و على سبيل المثال لا الحصر يقول المولى ﴿ " أحل لكم الطيبات و حرم عليكم الخبائث " ﴾ إشارة لنوعية الطعام الطيب من حيث الأصل، أي أنه حلال العين، و المقصود بحلال العين الذي لم يرد فيه نص بتحريمه مثل لحوم الدواجن و الأسماك و الأبقار و الأغنام و غيرها، و الطيبات أيضاً هي الأطعمة المباحة دون تغيير في طبيعتها من تعفن أو تلف أو تخمر، كما هو الحال في ثمار الفواكه و التي تكون طيبة ما دامت طازجة محتفظة بلونها و مذاقها و رائحتها دون تغيير، و قد تفسد الثمار إذا زرعت تحت ظروف مخالفة للخلق، فمثلاً إضافة المخصبات و المواد الكيماوية و التي ثبت ضررها على النبات و أيضاً على الإنسان الذي يتناولها و أقرت بذلك الهيئات العلمية المحايدة، فإخراج الثمار و الحبوب من طبيعتها لزيادة في الحجم أو الوزن أو إطعام بعض الحيوانات و الدواجن أعلاف ضارة تؤذي الإنسان و الحيوان على السواء، و قد شاهدنا جميعاً ما حدث للأغنام و الأبقار بمرض الحمى القلاعية و جنون البقر و للدواجن و الطيور بمرض أنفلونزا الطيور و غيرها من وسائل الإفساد، و لذلك أنبه إلى أن كثيراً من هذه الوسائل مثل تبخير التمور بالمبيدات الحشرية و حفظ بعض الخضروات و الفواكه في مواد ثبت أثرها الضار للإنسان، بل إن إفساد الطعام قد يكون متعمداً من قبل بعض الشركات العالمية، و ذلك بإضافة المواد المعودة أي التي تصيب الفرد بتعود أكلها (مثل الشيبسي و غيره مما يدمنه الأطفال و كذلك بعض المشروبات و الأطعمة للكبار)، و هذا يمثل نوعاً من أنواع الإدمان، و قد انشغلت هذه الشركات بوضع هذه الخلطات السرية و التي تسمى كذباً بالنكهة الخاصة، و أشد هذه النكهات هي المواد السرية التي تضاف إلى أغذية المطاعم السريعة.. فتوضع في السندوتشات و مواد القلي لإعطاء الطعام مذاقاً خاصاً و أيضاً كسب المزيد من المتعاطين لهذه المواد السرية، فما أحوجنا جميعاً للعودة للطبيعة و طعام البيت و البعد عن الوجبات الخارجية و التي لا ندري في أي مراحل الإعداد تم إفسادها عمداً أو دون قصد، و نعمل بقوله تعالى " فلينظر الإنسان إلى طعامه".

مجلة عالم الحمية/ العدد /الثالث /2007 فبراير

اقرأ أيضاً

من نفس القسم